ابن كثير
27
البداية والنهاية
وفي شهر رجب قويت الاخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام ، فانزعج الناس لذلك واشتد خوفهم جدا ، وقنت الخطيب في الصلوات وقرئ البخاري ، وشرع الناس في الجفل إلى الديار المصرية والكرك والحصون المنيعة ، وتأخر مجئ العساكر المصرية عن إبانها فاشتد لذلك الخوف . وفي شهر رجب باشر نجم الدين بن أبي الطيب نظر الخزانة عوضا عن أمين الدين سليمان ، وفي يوم السبت ثالث شعبان باشر مشيخة الشيوخ بعد ابن جماعة القاضي ناصر الدين عبد السلام ، وكان جمال الدين الزرعي يسد الوظيفة إلى هذا التاريخ . وفي يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة وعلى أبواب الأمراء بخروج السلطان بالعساكر من مصر لمناجزة التتار المخذولين ، وفي هذا اليوم بعينه كانت وقعة عرض ( 1 ) وذلك أنه التقى جماعة من أمراء الاسلام فيهم استدمر وبهادر أخي ( 2 ) وكجكن وغرلو العادلي ، وكل منهم سيف من سيوف الدين في ألف وخمسمائة فارس ، وكان التتار في سبعة آلاف فاقتتلوا وصبر المسلمون صبرا جيدا ، فنصرهم الله وخذل التتر ، فقتلوا منهم خلقا وأسروا آخرين ، وولوا عند ذلك مدبرين ، وغنم المسلمون منهم غنائم ، وعادوا سالمين لم يفقد منهم إلا القليل ممن أكرمه الله بالشهادة ، ووقعت البطاقة بذلك ، ثم قدمت الأسارى يوم الخميس نصف شعبان ، وكان يوم خميس النصارى . أوائل وقعة شقحب وفي ثامن عشر قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين فيهم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير ، والأمير حسام الدين لاجين المعروف بالاستادار المنصوري ، والأمير سيف الدين كراي المنصوري ، ثم قدمت بعضهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين أمير سلاح وأيبك الخزندار فقويت القلوب واطمأن كثير من الناس ، ولكن الناس في حفل عظيم من بلاد حلب وحماة وحمص وتلك النواحي وتقهقر الجيش الحلبي والحموي إلى حمص ، ثم خافوا أن يدهمهم التتر فجاؤوا فنزلوا المرج يوم الأحد خامس شعبان ، ووصل التتار إلى حمص وبعلبك وعاثوا في تلك الأراضي فسادا ، وقلق الناس قلقا عظيما ، وخافوا خوفا شديدا ، واختبط البلد لتأخر قدوم السلطان ببقية الجيش ، وقال الناس لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لكثرتهم ، وإنما سبيلهم أن يتأخروا عنهم مرحلة مرحلة ، وتحدث الناس بالأراجيف فاجتمع الأمراء يوم الأحد المذكور بالميدان وتحالفوا على لقاء العدو ، وشجعوا أنفسهم ، ونودي بالبلد أن لا يرحل أحد منه ، فسكن الناس وجلس القضاة بالجامع وحلفوا جماعة من الفقهاء والعامة على القتال ، وتوجه الشيخ تقي الدين بن تيمية
--> ( 1 ) عرض : بلدة في برية الشام ، من أعمال حلب ، بين تدمر والرصافة ( معجم البلدان ) . وفي مختصر أبي الفداء 4 / 48 في موضع يقال له : الكوم قريبا من عرض . ( 2 ) في السلوك : 1 / 931 بهادر آص .